علي بن محمد الليثي الواسطي
148
عيون الحكم والمواعظ
- إن الدنيا لم تخلق لكم دار مقام [ ولا محل قرار ] ( 1 ) وإنما جعلت لكم مجازا لتزودوا منها الأعمال الصالحة لدار القرار فكونوا منها على أوفاز ولا تخدعنكم منها العاجلة ولا يغرنكم فيها الفتنة . - إن الدنيا لا يسلم منها إلا بالزهد فيها ، ابتلي الناس بها فتنة فما أخذوا منها لها أخرجوا منه وحوسبوا عليه وما أخذوا منها لغيرها قدموا عليه وأقاموا فيه ، إنها عند ذوي العقول كالظل بينا تراه سائغا حتى قلص وزائدا حتى نقص وقد أعذر الله إليكم في النهي عنها وأنذركم وحذركم منها فأبلغ . - إن الدنيا دار مني لها الفناء ولأهلها منها الجلاء وهي حلوة خضرة وقد عجلت للطالب والتبست بقلب الناظر فارتحلوا عنها بأحسن ما يحضركم من الزاد ولا تسئلوا فيها إلا الكفاف ولا تطلبوا منها أكثر من البلاغ . - إن الدنيا لمشغلة عن غيرها لم يصب صاحبها منها سببا إلا فتحت عليه حرصا عليها ولهجا بها . - إن الله تعالى جعل الدنيا لما بعدها وابتلى فيها أهلها ليعلم أيهم أحسن عملا ولسنا للدنيا خلقنا ولا بالسعي لها أمرنا وإنما وضعنا فيها لنبتلى بها ونعمل فيها لما بعدها . - إن الدهر يجري بالباقين كجريه بالماضين لا يعود ما قد ولى منه ولا يبقى سرمدا ما فيه ، آخر أفعاله كأوله ، متسابقة أموره ، متظاهرة أعلامه ، لا ينفك مصاحبه من عناء وفناء وسلب وحرب . - إن الدهر موتر قوسه لا تخطئ سهامه ولا توسى جراحه يرمي الصحيح بالسقم والناجي بالعطب . - إن الزهادة قصر الامل ، والشكر على النعم ، والورع عن المحارم فإن عزب ( 1 ) ذلك عنكم فلا يغلب الحرام صبركم ولا تنسوا عند النعم شكركم فقد أعذر الله سبحانه إليكم بحجج مسفرة ظاهرة وكتب بارزة العذر واضحة .
--> ( 1 ) من الغرر 323 . ( 1 ) في ( ب ) الكلمة غير منقوطة ، وفي الغرر 324 : غرب .